كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، فلاح بسيط، يعيش في غرفة شديدة الضيق، توجه للسلطان شاكياً إياه ضيق العيش وذات اليد، آملاً في توسعة مكان سكناه، فأمره السلطان أن يأتي ببقرة وحمار ونعجة لسكنوا معه، استنكر الفلاح، على اعتبار أن ذلك يزيد الأزمة، ولكنه رضخ لأوامر السلطان، بعد شهرين بعث السلطان للفلاح، وسأله: كيف هي الحياة إذاً؟ أجاب الفلاح: لا اسوأ ولا أذل ولا أعقد، أمره السلطان أن يخرج النعجة ويعود، وبعد فترة جاء الفلاح سعيداً: أيها السلطان لقد تحسن الحال، وبعد شهر أمره السلطان أن يخرج الحمار ويعود، رجع الفلاح ووجهه تملأه الفرحة: الشكر لك يا سلطان، الآن الحياة جد أفضل، وبعد سنة أمر السلطان فلاحه أن يخرج البقرة ويبقى وحده في الغرفة ويعود، عاد الفلاح وهو يغني وينشد للسلطان: يحيا السلطان، يالها من حياة جميلة، شاكرا السلطان على كل هذه النعم معتقداً أن ذلك هو سعة العيش، وبقي الفلاح في الغرفة الضيقة المذلة لا حول له ولا قوة، سعيداً بحياته الذليلة على اعتبار أن لا مكان أحسن مما كان" توتة توتة خلصت الحدوتة. أعرف أن الكثير منكم سمع هذه القصة من قبل، ولكن هذه القصة لها الكثير الكثير من العلاقة بحياتنا نحن الفلسطينيين وموضوعي هذا تحديداً. الكثير من قادة هذا البلد "في شقيه" يتغنون بوسائل صمودنا نحن الشعب، وكلما اخترع أحد وسيلة جديدة من وسائل التغلب على منع أبسط أساسيات الحياة الآدمية يطل علينا أحد المتفزلكين من الساسة "خاصة أولئك المناضلين المرابطين في استوديوهات الفضائيات المنتشرة في لندن وباريس" ليمجد ويفتخر بهذه الوسيلة رغم أنه هو لا ينقصه شيئاً من وسائل الحياة الاعتيادية دون أدنى حاجة لاستخدام البدائل لسبب بسيط، أنه لا يوجد بديل أفضل من الأساس، فلكل بديل سيئات يضطر المرء لتحملها بسبب عدم توفر الأساس. ولكن، ماذا تعني كلمة تأقلم، وما علاقتها بالاستسلام، وإلى أي حد يمكن لهذا المفهوم خدمة الطرف الآخر "الجانب الإسرائيلي"، وهل ما نتفاخر به كفلسطينيين من قدرة على الصمود يمكن أن يكون أحد أدوات الضغط التي لا نشعر بها؟ السؤال هذا أطرحه باحثاً عن إجابة من قبلكم أنتم أيها الشباب، هل تأقلمنا يمكن أن يضرنا؟ ولكن في المقابل هل هناك من خيار سوى التأقلم؟؟ دعوني أسرد بعض الحكايا، وبعدها سيكون مطلوب منا جميعا البحث عن الإجابة حول إيجابيات وسلبيات التأقلم مع ضغوطات الاحتلال. في اللحظة التي وصل فيها السيل الزبى من حالة الحصار المفروض على ما تبقى من الشعب الفلسطيني في غزة، وجدنا الحدود تتفجر والأسوار تتهاوى، والفيضانات البشرية تدفقت باتجاه كل ما يمكن الوصول إليه من أراضي جمهورية مصر العربية، وانطلق الساسة: هذا هو الشعب الفلسطيني، هذه هي الإرادة الفلسطينية ...إلخ من الشعارات الرنانة، الفضائيات بعثت بمراسليها ليحضنوا بعضهم بعضا على الحدود في مشاهد بروباغندية هزلية تحفز مشاعر المشاهد العربي دون أدنى مستوى من نقل الحقيقة على الأرض دون توضيح حقيقة ما يتم نقله على الحدود، ولكن ماذا كانت نتئاج ذلك: سوق سوداء للدراجات النارية في غزة، سوق سوداء لإطارات السيارات، سوق "بيضاء" لجميع ما يمكن تدخينه، الجبن والرنجة حدث ولا حرج، الخميرة انتشرت بالمئات، علب المشروبات الغازية أصبحت تلقى في الشوارع وهي مليئة، ولكن أحداً لم يلاحظ أن هذا التدفق لم يكن نتيجة الجوع الذي تحدث الكثير عنه مشوها صورة الفلسطيني في وجه نفسه، وكان للتجارة الخالصة فقط، وظللنا نحن الشعب العادي المستهلك أسرى لتجار الحرب في غزة، دون أي رادع يوقفهم عن إرهاق أموالنا وأعصابنا، في المقابل كان العديد يتحدث عن أن هذا الشعب جائع، ودعوه يأكل، البعض الآخر قال: هذا الشعب همجي ولا يستحق سوى الاحتلال، على الجهة الأخرى المحتل تخلص من مسؤوليته القانونية – التي طالما حاول أن يتخلص منها - داعيا مصر لتتحمل مسؤولياتها اتجاه الجياع في غزة، وكأن المسؤولية عن الغزيين أصبحت هي أحد العقوبات الدولية التي يفرضها مجلس الأمن الدولي على من يعارض التوجه الدولي للقضاء على الإرهاب!!!! في قضية ثانية، وبعد منع إدخال المحروقات لفترة طويلة – خاصة البنزين – وهنا لا بد لي من وقفة: إسرائيل تعيق إدخال مختلف أنواع المحروقات، ولكن لماذا البنزين تحديداً يتم إدخال كميات قليلة جداً منه؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن المستفيد الأساسي من البنزين هو أصحاب الطبقة المتوسطة من الشعب الفلسطيني، الموظف العادي الذي لا ناقة له ولا جمل في النزاع السياسي القائم بين الفصائل الفلسطينية، ولا يهمه أي شيء سوى المصالحة الوطنية ليستكمل هو – المواطن – حياته ويبني مستقبله ويعلم أبناءه؟؟؟ أعتقد أن لهذه الجزئية الكثير من المعاني خلف إصرار إسرائيل على منع إدخال البنزين تحديداً في محاولة لإجبار تلك الطبقة من الشعب – التي لربما هي الأخيرة التي تطالب بجدية الحوار الوطني الفلسطيني – الشعور بفقدان الأمل من كل شيء. عودة للموضوع، بعد وقف إمداد القطاع بالوقود، اتجه العديد من أصحاب سيارات البنزين لتحويلها لتعمل من خلال غاز الطبخ!! الفكرة في حد ذاتها فن، ولكن الفنون جنون، واستخدمها العديد ليتغنى بقدرة الفلسطينيين على التغلب على المصاعب، وأنا معهم، وأعتقد أنها فكرة حلت أزمة خانقة، ورغم السلبيات العديدة لاستخدام هذا الغاز الغير مجهز لاستخدام السيارات، إلا أننا بتنا نرى أحدث طرازات السيارات في غزة تحتضن جرة الغاز في خلفيتها، وتنفث عبيره في أجواء غزة النقية أصلاً. ولكن دعونا نرى الموضوع من الجهة المقابلة: هذا التغلب الفظيع على الحصار، وكل طرقنا في التغلب على إذلالات التي تندرج تحت بند التأقلم في وجهة نظري يمكن أن تعود علينا على المدى البعيد بكوارث استراتيجية: - التأقلم مع الذل يجعل الذل أحد أساسيات الحياة التي لا يمكن أن نعيش دونها. - التفكير الدائم في خلق بدائل الحياة يشغل التفكير عن القضايا الأساسية، والدليل أن اليوم نادراً من نسمع في الشارع أحداً يتحدث عن - إيجاد وسيلة نتغلب فيها على كل عائق جديد يجعل المحتل راضياً عن فرض العائق مستمراً به طالما أن لا مطالبة من قبلنا لوقفه. - "تأقلمنا" مع كل حالة إذلالية جديدة يدفع المحتل لاختراع حالات جديدة، على اعتبار أن إدماننا للحالة السابقة أصبح لا يؤثر فينا!!!! - كلما تعاملنا مع منع لأحد أساسيات الحياة، توقفت أنظار المؤسسات الدولية عن حل الأزمة، على اعتبار أن لا أزمة أصلاً. - رغم روعة تغلبنا على الازمات، إلا أن هذا التغلب يجعل من الأزمة والحصار أحد الوقائع الجديدة على الأرض. الكثير منكم يقول الآن، وما الحل؟؟ أليس التأقلم أفضل من البقاء رهينة للحصار والضغظ؟؟ أسئلتكم شرعية، ولا إجابة لدي عليها، ولكن حذاري من العواقب على المدى البعيد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على المستوى الشامل. 
أضف تعليقا
من فلسطين

مؤيد لشريف لما قال " التأقلم هو الاستسلام "
لكن كشباب واعي اتمنى انه يكون تفكيرنا " تأقلم لسد حاجة " وبعتقد بهيك منرسخ بأذهاننا _ عشان لو اجت فترة ونسينا _ انه احنا في وضع غير عادي في زمن غير عادي ،، وانه نضل هيك هذا شيء مستحيل
اكيد حنتأقلم لكن التأقلم الي يجيب الخير والمصلحة النا ،، لانه فعلا مافي حد مدور علينا ،، واذا مافي حد مدور لازم احنا ندور على حالنا مش عشان يقول غيرنا هيهم عايشين منيح ، لا ،، عشان نقول عن حالنا انه لسه رغم كل الي بصير حانضل عايشين رغم انف الكل _ لما ربنا يريد اكيد _
خلينا نقول عن حالنا اتأقلمنا ، لكن خلينا بنفس الوقت نقول لانفسنا _ احنا متأقلمين مش منهزمين ولا مستسلمين "
الشغلة بدها وقت ،، متل محال البلد بده وقت ليتغير ،، لكن مع هالوقت حانضل متل ماحنا لسبب واحد هو انه احنا " شباب "
من فلسطين

شريفو:
إيمتا؟؟ أول إنتا بآآآآآآآ
محمد:
يا ريت الكل يوصل لمرحلة الإيمان بالحاجة لعدم تصديق الواقع الحالي تحت شعار "ليس بالإمكان أحسن مما كان"..
تحياتي
من فلسطين

أنا بأيد شريف ومحمد انه التأقلم هو عبارة عن استسلام لواقع بالطول بالعرض رح نعيشه سواء كان باختيارنا أو مجبرين عليه أما بالنسبة لكلام شريف انه هانت فما بعرف بس مو مبين انها هانت لأنها بتتعقد أكتر والحصار بزيد وما حد سائل يعني عادي شو بدها تفرق معهم القيادات بخير والشعب هو الضحية والمسألة ما عادت مسألة قضية وصامدين لأجلها لأنه فعليا اللي بصير بالقدس وزيادة عدد المستوطنات احنا مش مهتمين فيه بقدر ما احنا صرنا مهتمين كيف بدنا نفك الحصار ونوحد الصف الداخلي والقضية بتتدهور وهذا هو اللي بخطط له الاحتلال
في هذا الحصار أنت لا تموت ولا تحيا تتحول من إنسان إلى شيء ومن حقيقة إلى فرضية ومن حالة حية إلى مجرد احتمال وللأسف لسة بنقول تأقلم وصمود لحد مانفقد حتى انه نكون مجرد احتمال
شكرا كتير ياأسامة على المقال بجد سؤالك كان مهم كتير وياريت نفكر أكتر بالكلمة وتبعاتها في المستقبل
اعذرني على الاطالة
مع تمنياتي بمزيد من التوفيق
شووووووووق
من فلسطين

شوق:
أهم اشي ديروا بالكوا على غازاتكوا، وبنزيناتكوا، وكازاتكو...
آآآه صحيح، وزيت الف=قلي تبعاتكوا كمان، لإنو صار يستخدم في سيارات الديزل.
من فلسطين

تعليق أرسل بواسطة:osamadamo
"تأقلمنا" مع كل حالة إذلالية جديدة يدفع المحتل لاختراع حالات جديدة، على اعتبار أن إدماننا للحالة السابقة أصبح لا يؤثر فينا!!!!
للأمانة .. كلمتين لخصوا كل اللي ممكن نحكيه بهيك موضوع!
اللي حكوا قبلي كمان وجهة نظرهم سليمة 100%
بلخصهم بنقطتين:
1.يا اما تنظر للتأقلم انه وسيلة صمود لقهر القهر اللي بتعيشه
2.يا اما تنظرله على انه استسلام للأمر الواقع و المفروض عليك
بديش اكون سلبي..
لكن وجهة النظر الاولى -و اللي بيتحلى فيها معظم ابناء شعبنا الصامد- أصبحت مسيطرة شوية
بدليل بسيط جدا..
مظاهراتنا!
زمان كان لما يصير حدث عنا أو في نصنا الضايع (اذا فهمت قصدي) كانت المظاهرات لا يشق لها الغبار .. أعداد خرافية بتهتف بكل مصداقية و عزيمة!
الان.. يا اما مظاهرتك صفرا يا خضرا!
بكل الحالات بتنتهي بشورما أو بكباية براد!!!!
وجه الشبه بين كلامي و موضعك..
انه وسائل صمودنا (و منها مظاهراتنا) تفتقر للدافع!!
لو كل واحد حط في باله انه تأقلمنا دافعه الأساسي صمود.. فش مشاكل يا عمو!
أما لو حطينا ببالنا انو تأقلمنا مجرد تأقلم من أجل التأقلم.. هنا الكارثة!
تحياتنا يا عزيزي..
و الك وحشة و الله
بس ..
look at the bright side!
من الأردن

الجار الكريم اسامة، بعد التحية والسلام...
نتمنى أن تكون انت وجميع الأهل بأحسن الأحوال.
لقد لاحظنا مؤخرا أنك لم تقم بإضافة أي مقال جديد إلى مدونتك منذ فترة طويلة، ولذلك نود أن نستفسر عن سبب غيابك ونطمئن عليك.
نتمنى أن تكون جميع أمورك على ما يرام وأن لا يكون ما منعك عنا إلا خيراً!
إن كانت تواجهك أي مشاكل في حسابك أو مدونتك أو إن كنت بحاجة إلى أي مساعدة أو عون، نرجو أن لا تتردد بمراسلتنا في أي وقت وسنكون سعداء بخدمتك.
شكرا لك وأهلا وسهلا بك معنا في أي وقت.
طالت زيارتك!
أحلام من فريق عمل جيران .
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من فلسطين
فعلا يا مان...
ما شفتها من الزاوية هادي بس التأقلم هو الإستسلام...
بس زي ما بحكو...حجة المفلس هي اللي يتحدد أي تسمية نختار !
مع لنو الكلام اللي بدي احكيه ممكن نكون سمعناه مليون مرة...بس هانت..كل ما تضيق اكتر اثبات انو رح تفرج !
بس الأيمتى هو السؤال !